أحمد بن محمد القسطلاني
401
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الرد على القائل بتخصيص التعذيب بمن يباشر الذنب بقوله أو فعله ، لا بمن كان سببًا فيه ، ولا يخفى سقوطه . 1284 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالاَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : " أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ : إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ ، فَأْتِنَا . فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ وَيَقُولُ : إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ . فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا . فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ . فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ - قَالَ : حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ : كَأَنَّهَا شَنٌّ - فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ، فَقَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ " . [ الحديث 1284 - أطرافه في : 5655 ، 6602 ، 6655 ، 7377 ، 7448 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبدان ) بفتح العين وإسكان الموحدة ، عبد الله بن عثمان ( ومحمد ) هو : ابن مقاتل ( قالا : أخبرنا عبد الله ) بن المبارك قال : ( أخبرنا عاصم بن سليمان ) الأحول ( عن أبي عثمان ) عبد الرحمن النهدي ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، قال ) : ( أرسلت ابنة ) ولأبي ذر : بنت ( النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زينب ، كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال ( إليه : إن ابنًا لي قبض ) أي : في حال القبض ، ومعالجة الروح فأطلق القبض مجازًا باعتبار أنه في حالة كحالة النزع . قيل : الابن المذكور هو علي بن أبي العاص بن الربيع ، واستشكل بأنه عاش حتى ناهز الحلم وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أردفه على راحلته يوم الفتح ، فلا يقال فيه صبي عرفًا . أو هو عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لما رواه البلاذري في الأنساب : أنه لما توفي ، وضعه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجره ، وقال : إنما يرحم الله من عباده الرحماء . أو : هو ، محسن ، لما روى البزار في مسنده عن أبي هريرة ، قال : ثقل ابن لفاطمة رضي الله عنها ، فبعثت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فذكر نحو حديث الباب ، ولا ريب أنه مات صغيرًا . أو : هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع لما عند أحمد ، عن أبي معاوية بسند البخاري . وصوّبه الحافظ ابن حجر ، وأجاب عما استشكل من قوله : قبض ، مع كون أمامة عاشت بعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى تزوّجها علي بن أبي طالب ، وقتل عنها : بأن الظاهر أن الله أكرم نبيه عليه الصلاة والسلام ، لما سلم لأمر ربه ، وصبر ابنته ، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى ابنة ابنته ، فخلصت من تلك الشدة ، وعاشت تلك المدّة . وقال العيني : الصواب قول من قال : ابني ، أي : بالتذكير ، لا ابنتي : بالتأنيث . كما نص عليه في حديث الباب . وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدّد الواقعة في بنت واحدة أو بنتين ، أرسلت زينب في عليّ أو أمامة ، أو رقية في عبد الله بن عثمان ، أو فاطمة في ابنها محسن بن علي ( فأْتنا . فأرسل ) عليه الصلاة والسلام ( يقرئ ) عليها ( السلام ) بضم الياء من يقرئ ( ويقول ) : ( إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ) أي : الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه ، فإن أخذه أخذ ما هو له ، وقدّم الأخذ على الإعطاء ، وإن كان متأخرًا في الواقع ، لأن المقام يقتضيه . ولفظ : ما ، في الموضعين مصدرية أي : إن لله الأخذ والإعطاء أو موصولة ، والعائد محذوف وكذا الصلة ( 1 ) للدلالة على العموم ، فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاءه وغيرهما . ( وكل عنده ) أي : وكل من الأخذ والإعطاء عند الله ، أي : في علمه ( بأجل مسمى ) مقدّر ومؤجل ، ( فلتصبر ولتحتسب ) أي : تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها ، ليحسب لها ذلك من عملها الصالح . ( فأرسلت إليه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حال كونها ( تقسم عليه ليأتينها ، فقام ) ووقع في رواية عبد الرحمن بن عوف أنها راجعته مرتين ، وأنه إنما قام في ثالث مرة ( ومعه ) بإثبات واو الحال ، وللحموي والمستملي : معه ( سعد بن عبادة ، ومعاذ بن جبل ، وأُبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ورجال ) آخرون ذكر منهم في غير هذه الرواية : عبادة بن الصامت ، وأسامة ، راوي الحديث ، فمشوا إلى أن دخلوا بيتها ، ( فرفع إلى رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، الصبي ) أو : الصبية ، ورفع بالراء ، وفي رواية حماد : دفع ، بالدال . وبين شعبة في روايته أنه وضع في حجره عليه الصلاة والسلام ، ( ونفسه تتقعقع ) بتاءين في أوّله ، أي تضطرب وتتحرك ، أي : كلما صار إلى حالة لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى لقربه من الموت ، والجملة اسمية حالية - ( قال : حسبته أنه قال : كأنها شنّ - ) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون ، قربة خلقة يابسة ، وجزم به في رواية حماد ، ولفظه : ونفسه تتقعقع كأنها في شن ( ففاضت ) ولأبي ذر : وفاضت ( عيناه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالبكاء وهذا موضع الترجمة ، لأن البكاء العاري عن النوح لا يؤاخذ به الباكي ، ولا الميت . ( فقال سعد ) هو : ابن عبادة المذكور : ( يا رسول الله ! ما هذا ؟ ) وفي رواية عبد الواحد ، قال سعد بن عبادة : تبكي ؟ وزاد أبو نعيم في مستخرجه : وتنهى عن البكاء ؟ ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( هذه ) الدمعة
--> ( 1 ) قوله : " وكذا الصلة " الظاهر أنه من تحريف النساخ ؛ لأنها مذكورة كما لا يخفى .